قصة

قصة من الواقع الساعي إلى الخير

مقالات

قصة من الواقع  .محمد مهداوي

كان يقوم بدوريته المعتادة ليلا ،هو و مرافقه على متن سيارة الشرطة ،أوقفهما شخص غريب ، سلم عليهما،ثم ناول الشرطي يوسف رسالة، وطلب منه العون لإيجاد صاحبها،نظر إليه الشرطي يوسف مليا ،وقال له : رغم أنها ليست مهمتنا ،لكن سنحاول إيجاده،ما دمنا نقوم بدوريتنا في مختلف أحياء المدينة….شكره الغريب وتابع سيره مطمئنا، وكأنه امتلك العالم بأسره،ما أعظم أن تكون جسرا للأخوة،للتواصل،جسرا لقضاء مآرب الناس…


تابع الشرطي يوسف سيره مع صديقه عبر سيارة الأمن الوطني ،التفت إلى رفيقه محمد وقال له:
_أتعرف ما كنه هذه الرسالة؟
_كيف لي أن أعرف ،لم أقرأ ما تحبل به من معلومات
_إنها رسالة من إدارة الأمن الوطني لفلان... ،وهي مفتوحة...لقد نجح في الإمتحان،ويجب عليه الإلتحاق يوم الإثنين بمركز تكوين الشرطة بالقنيطرة …لم يتبق إلا يومين..
_وما شأننا نحن؟
_سنعمل على إيجاده حيا أو ميتا ….ههههه ….سنقوم اليوم بعمل إنساني عظيم…
_ أنا موافق...حي على الفلاح….
بدأ الشرطيان يتفقدان أحياء المدينة،طولا وعرضا...لم تسلم حتى الأزقة الضيقة من البحث والتنقيب..أخيرا ضاقت بهما السبل، وبدأ اليأس يتسلل إلى قلبهما…
قال محمد لصديقه يوسف:
أظن أننا لن ننجح في إيصال الرسالة لصاحبها….
_لا تيأس صديقي لا زال الليل طويلا...خاصة وأن الجو حار، لا أحبذ الإستسلام...لقد سحبت هذه الكلمة من قاموس معاملاتي منذ زمن طويل….
_ إذن فلنواصل البحث وأمري لله….


فعلا،تواصل البحث لساعات أخرى على صاحب الرسالة التائهة...وما زادهم حماسا هذا القمر المشع فوق رؤوسهم،وكأنه تفاعل معهم ،فأنار لهم الطريق وزادهم طموحا للوصول إلى فك هذا اللغز العجيب….
وبينما هما في حي شعبي ، على هامش المدينة، إذ بأحد الساهرين يتعرف عليه...يا آلله ...كم أنت كريم يا رب!!! أخيرا سنقطف العنب!!!!….هكذا ردد يوسف كلماته لصديقه، وبعد برهة ،وصلا لصاحب الرسالة ،منزل مهترئ،زقاق ضيق، إنارة باهتة ، وحفر لا تسعف السيارة على السير بشكل عادي ،إنه حي دوار الرامي الشعبي...دق الشرطي يوسف الباب وبعد خرجت امرأة ،يبدو على ملامحها علامات العوز...بدأت ترتجف وسألته :وياك لباس ...ما وقع شي حاجة لولدي ؟ ….واسترسلت في البكاء على فلذة كبدها..لكن الشرطي تدارك الموقف بسرعة وقال لها:
_هل اسم ابنك فلان؟
_نعم ….نعم….وياك لباس…؟؟؟
_مكان غي الخير آ الحاجة...ولدك نجح في مباراة الشرطة ومطلوب منه الحضور يوم الإثنين إلى القنيطرة الثامنة صباحا….هل هو موجود؟
_لا،إنه في وجدة ،يهيئ للإمتحانات الجامعية…
_حاولي أن تكلميه الليلة ….أخبريه قبل أن ينفرج الصبح
_طبعا سأخبره….حفظكم الله يا ولدي...لقد أبكيتني ...وها أنت تفرحني...
_ ليلتكم سعيدة يا حاجة
_ليلتكم أسعد يا ولدي
غادر الشرطيان المكان، وعلامات السعادة بادية على وجههما...أحسا أن العالم كله بين يديهما...وأنهما قدما اليوم عملا رائعا، لا ينسى أبدا، تبادلا التهاني على هذا الفعل الحسن ،وأتما ليلتهما ،في نشاط وانشراح…
بعد مرور حوالي سنة، تسلم يوسف عمله الجديد في كوميسارية المدينة الكبرى، كمرشد للزوار...اقترب منه شخص وسأله :
هل أنت الشرطي يوسف
_نعم...نعم….
_هل أنت من أوصل الرسالة لوالدي يوم كذا وأخبرتهما
بنجاحي... كذا ...وأخبرتهما بنجاحي...
_نعم...نعم....
ماذ أقول لك أخي...لقد أنقذتني وأنقذت أسرتي...لو استطعت لقبلت رجليك...اعترافا بما قمت به من عمل جليل ...جزاك الله خيرا، وكثر أمثالكم وجعلك ممن تقضى حوائج الناس على أيديهم…لقد علمتني درسا لن أنساه أبدا،خاصة وأنا لا زلت في بداية الطريق...
رفع يوسف رأسه للسماء، أحس بحرارة تسري في جسمه، وتذكر الحديث الشريف: ((يُحشر قوم من أمتي يوم القيامة على منابر من نور, يمرُّون على الصراط كالبرق الخاطف, نورهم تشخص منه الأبصار لا هم بالأنبياء, ولا هم بصدِّيقين, ولا شهداء، إنهم قوم تُقضى على أيديهم حوائج الناس)).
رفع يد يه إلى الأعلى وقال:اللهم اجعلنا منهم يارب!!!!


وسقطت دمعة حارة على سجل الزوار فتركت بقعة بيضاء ،ختمت الورقة بخاتم إنساني جميل.

الكاتب

المدير

هيئة التحرير

تعليقات الزوّار

أضف تعليقك

من شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.

ااﻟﻨﺸﺮة اﻟﺒﺮﻳﺪﻳﺔ

العودة إلى الأعلا